العيني
34
عمدة القاري
ويقال : معناه استحيى من الذهاب عن المجلس ، كما فعل رفيقه الثالث ، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في رواية الحاكم الثاني : ( فلبث ثم جاء فجلس ) . قوله : ( فاستحيى منه ) . أي : جازاه بمثل فعله بأن رحمه ولم يعاقبه ، وهذا أيضاً من باب المشاكلة ، وذلك لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يذم به ، وهذا محال على الله تعالى ، فيكون مجازاً عن ترك العقاب للاستحياء ، فيكون هذا أيضاً من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم . قوله : ( وأما الآخر فاعرض ) أي : عن مجلس رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، ولم يلتفت إليه ، بل ولى مدبراً . قوله : ( فاعرض الله عنه ) أي : جازاه بأن سخط عليه ، وهذا أيضاً من باب المشاكلة ، وذلك لأن الإعراض هو الالتفات إلى جهة أخرى ، وذلك لا يليق في حق الله تعالى ، فيكون مجازاً عن السخط والغضب المجاز عن إرادة الانتقام . والقاعدة في مثل هذه الإطلاقات التي لا يمكن حملها على ظواهرها أن يراد به غاياتها ولوازمها ، والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي : اللزوم والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة هو العقل ، إذا لا يتصور العقل صدور هذه الأشياء من الله تعالى . فإن قلت : هذه الألفاظ الثلاثة إخبار أو دعاء . قلت : يحتمل المعنيين في لفظة : الإيواء والإعراض ، ولكن ما وقع في رواية أنس : ( وأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عنه ) ، يؤيد معنى الإخبار . وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون من باب التشبيه ، أي : يفعل الله تعالى كما يفعل المؤوي والمستحي والمعرض . وقال الزمخشري ، في قوله تعالى : * ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ) * ( آل عمران : 54 ) فإن قلت : كيف جاز وصف القديم بالاستحياء ؟ قلت : هو جار على سبيل التمثيل ، ومثل تركه يترك من يترك شيئاً حياء منه . ثم اعلم أن قوله : ( فاعرض الله ) ، محمول على من ذهب معرضاً ، لا لعذر . قال القاضي عياض : من أعرض عن نبيه ، عليه الصلاة والسلام ، وزهد منه فليس بمؤمن وإن كان هذا مؤمناً وذهب لحاجة دنياوية أو ضرورية فإعراض الله عنه ترك رحمته وعفوه ، فلا يثبت له حسنة ولا يمحو عنه سيئة . قلت : وإن كان ذاك منافقاً كان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على أمره ، فلذلك قال : فاعرض الله عنه . بيان استنباط الاحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه أن من جلس إلى حلقة علم أنه في كنف الله تعالى وفي ايوائه ، وهو ممن تضع له الملائكة أجنحتها . وقال ابن بطال : وكذلك يجب على العالم أن يؤوي المتعلم لقوله : ( فآواه الله ) . الثاني : أن فيه أن من قصد العالم ومجالسته فاستحيى ممن قصده فإن الله يستحيي منه فلا يعذبه . الثالث : فيه أن من أعرض عن مجالسة العالم فإن الله يعرض عنه ، ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه . الرابع : استحباب التحلق للعلم والذكر في المسجد . الخامس : فيه استحباب القرب من الكبير في الحلقة ليسمع كلامه . السادس : فيه استحباب الثناء على من فعل جميلاً . السابع : فيه أن الإنسان إذا فعل قبيحاً أو مذموماً وباح به جاز أن ينسب إليه . الثامن : فيه أن من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث انتهى مجلسه ، ولا يقيم أحداً . وقد روي ذلك في الحديث أيضاً . التاسع : فيه ابتداء العالم جلساءه بالعلم قبل أن يسأل عنه . العاشر : فيه أن من سبق إلى موضع في مجلس كان هو أحق به ، لتعلق حقه به في الجلوس . الحادي عشر : فيه سد خلل الحلقة ، كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة . الثاني عشر : فيه جواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ أحداً ، فإن خشي استحب أن يجلس حيث ينتهي . الثالث عشر : فيه الثناء على من زاحم في طلب الخير . 9 ( ( باب قَولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سامِعٍ ) ) الكلام فيه على وجوه : الأول : التقدير : هذا باب في بيان قوله النبي صلى الله عليه وسلم ( رب مبلغ أوعى من سامع ) ، والباب مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى ما بعده . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في هذا الباب حال المبلغ ، بفتح اللام ، ومن جملة المذكور في الباب السابق الجالس في الحلقة ، وهو أيضاً من جملة المبلغين ، لأن حلقة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على العلوم ، والأمر بتعلمها والتبليغ إلى الغائبين ، وقال الشيخ قطب الدين : أراد البخاري بهذا التبويب الاستدلال على جواز الحمل على من ليس بفقيه من الشيوخ الذين لا علم عندهم ولا فقه ، إذا ضبط ما يحدث به . قلت : هذا بيان وجه وضع هذا الباب وليس فيه تعرض إلى وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله ، ولم أر أحداً من الشراح